الطبراني
222
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقال أهل المعاني : الاستدراج : أن تندرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا ، ولا يتابع ولا يجاهر « 1 » ، يقال : استدرج فلانا حتى نعرف ما صنع ؛ أي لا تجاهره ولا تكثر عليه السّؤال دفعة واحدة ، ولكن كلّمه درجة درجة وقليلا قليلا حتى نعرف حقيقة ما فعل . وقيل : معنى قوله ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) سنذيقهم من بأسنا قليلا قليلا . قوله تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) ؛ أي أمهلهم وأطيل لهم المدة ، فإنّهم لا يفوتونني ولا يفوتني عذابهم ولا يعجزونني عن تعذيبهم . وقوله : ( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) إنّ صنعي شديد محكم ، وأخذي قويّ شديد . والكيد : هو الإصرار بالشّيء من حيث لا يشعر به . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ؛ قال الحسن وقتادة : ( وذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صعد الصّفا ذات ليلة يدعو قريشا إلى عبادة اللّه قبيلة قبيلة وفخذا فخذا : يا بني فلان ، يحذّرهم بأس اللّه وعقابه ، فقال المشركون : إنّ صاحبكم قد جنّ ؛ بات ليله يصوّت إلى الصّباح ، فأنزل اللّه هذه الآية ) « 2 » . ومعناها : أولم يتفكّروا بقلوبهم ليعلموا ويستيقنوا ما بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من جنون . قوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) ؛ أي ما هو إلّا يعلم لموضع المخافة ليتّقى ولموضع الأمن ليبتغى . وقوله تعالى ( مُبِينٌ ) أي بيّن أمره ؛ فهلّا جالسه الكفار فيطلبوا حقيقة أمره ، ويتفكّروا في دلائله ومعجزاته . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ معناه : أولم ينظروا في السّموات والأرض طالبين لما يدلّهم على وحدانيّة اللّه تعالى ، وعلى صدق رسوله في ما دعاهم إليه . والملكوت : هو الملك العظيم . قوله تعالى : ( وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ) معناه : وما خلقه اللّه بعد السّموات والأرض ، فإن ذلك يدلّ على وحدانيّة اللّه تعالى مثل ما تدلّ السماوات والأرض . ( ما ) بمعنى الّذي .
--> ( 1 ) في المخطوط : ( لا يتاعب ولا يهاجر ) . ( 2 ) عن قتادة ؛ أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11997 ) .